علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
6
الصداقة والصديق
حمدان قرمط ، يعيثون في البحرين واليمامة وهجر فسادا وهدما ، وأن الأندلس يعلو هامتها تاج الملك الناصر عبد الرحمن الأموي . تلك هي الأوضاع حوالي سنة 324 ه ، وقد أعقب هذا الانقسام في الكيان السياسي ما يعقب كل كيان آل إلى الضعف والتفكك بعد الوحدة ، وإلى التوزّع بعد التلاحم والتماسك ، من مظاهر الفوضى والتسلّط والاستهتار بالحقوق والواجبات . فمن قتل وخلع وغدر ومصادرة أموال وأشخاص ، وفساد علاقات بين الحاكم والمحكوم وقيامها على البطش والثورة حينا ، والملاينة والانتفاضة حينا آخر حتى عدّ هذا العصر من أكثر العصور اضطرابا ، وأغناها بالفرق والمذاهب والحركات السريّة والعلنية ، وتيارات التصوف والزندقة . يسود هذا كله غموض وظلمة حتى ليصعب على الباحث المؤرخ الاهتداء إلى الطريق في متاهات هذا العصر العجيب المتناقض . ومن الظواهر التي يجدر بمؤرخ الأدب الوقوف عندها حالة الحياة العقلية والفكرية وسط مظاهر الانحطاط السياسي والخلقي والاجتماعي والاقتصادي ، وتأثير ذلك على النتاج الفكري ، وكان من البديهي أن يتبع الأدب والفكر السياسة في تردّيها لأنهما صورة للمجتمعات يرتفعان بارتفاعها ويهبطان بهبوطها إلّا أن هذا القانون لم يصدق على العصر العباسي الثالث ، بل لم يصدق على كثير من العصور عند بقية الأمم في الشرق والغرب ، فقد ظلت الحياة العقلية في سيرها المطّرد الصاعد على هامش الحياة السياسية ونمت وتوسّعت فعرف العصر نتاجا فكريا قلّ أن عرفته الأمم الإسلامية في أزهى عصورها ، ذلك أن ثمة أسبابا أوجدت هذا التناقض يمكن حصرها فيما يلي : أ - يحجم المفكرون والعلماء والعقلاء في عصور الفوضى والخوف والاستبداد عن المشاركة في الحياة العامة ومعاشرة السلطان وخدمته لما